تحقيقات

التقاطعات الدولية في رسم سياسة السودان الخارجية


المرصد السوداني



تحليل: أحمد يوسف التاي

من أبرز نتائج ثورة ديسمبر الشعبية التي أطاحت نظام المؤتمر الوطني، أنها تمكنت من فك العزلة الدولية التي وضع فيها نظام البشير البلاد على مدى ثلاثة عقود من الزمان، حيث نجحت الثورة في إزالة حاجز المقاطعة العالمية والعُزلة الدولية المفروضة على البلاد، بسبب سياسة النظام المخلوع الذي جاء للحكم في الثلاثين من يونيو 1989 بمشروع «أممي» بمقدرات دولة جائعة، فاستعدى العالم بشعاراته وتهديداته، وعزل البلاد من محيطها العربي والإسلامي والعالمي…

الانفتاح الدولي

لكنّ الناظر إلى المسرح السوداني على صعيده السياسي اليوم يلحظ بوضوح تام أن أبرز ثمرات التغيير وأسرعها على الإطلاق كان ذلك الانفتاح الدولي على السودان الذي ظلّ يُعاني من الحظر الدبلوماسي والحصار الاقتصادي والقطيعة السياسية العالمية، فضلاً عن مُطالبة محكمة الجنايات الدولية برأس النظام لمحاكمته في جرائم ضد الإنسانية ما أعاق البلاد كثيراً وحبسها بالخرطوم، كل هذه السياجات الحديدية التي ظلت مضروبة على السودان لمدة ثلاثين عاماً كانت تُمثلُ عبئاً ثقيلاً على البلاد زاد من تعقيدات الوضع الاقتصادي والأمني والسياسي.
اتجاهات السباق الدولي

النظام المخلوع حاول بشتى السبل كسر الطوق العالمي المضروب على عنقه لتخفيف حالة الاختناق التي كتمت أنفاسه إلا أنه فشل بامتياز رغم تقديمه كثيراً من التنازلات لكنه لم يقبض سوى الريح، الآن بعد نجاح الثورة اُزيلت كل المتاريس والحواجز التي كانت تحول بين السودان ومحيطه العالمي، وبدا هناك سباقٌ دوليٌ محموم وانفتاح كبير على السودان لا يخفى على المراقب السياسي، والسؤال الذي نحن بصدد الإجابة عليه هو.. ماهو شكل وطبيعة السباق الدولي بأرض السودان، وماهي اتجاهاته؟..
وبقراءة متأنية وملاحظات تعززها بعض المعطيات يمكن قراءة هذا السباق على أنه سباق بين فريقين تختلف أهدافهما في السودان كما تختلف وسائل وشروط تحقيقها، وفيما يلي نحاول كشف الغطاء عن وجه الفريقين المتنافسين على أرض
أولاً: الفريق الأمريكي الخليجي
تشير كثير من المعطيات أن متسابقي هذا الفريق بالإضافة إلى اللاعب الخفي (إسرائيل) يلقون بثقلهم على المكون العسكري في الحكومة الانتقالية ويعولون كثيراً على العسكر ويقفون خلفهم لبسط هيمنتهم على مقاليد الحكم وذلك لضمان تحقيق أهداف مختلفة أبرزها على الإطلاق:
(1) حماية المصالح الأمريكية الخليجية على ساحل البحر الأحمر من أية تهديدات إيرانية أو تركية أو روسية.
(2) تمكين وتعزيز النفوذ العسكري، والاقتصادي والاستراتيجي الأمريكي في المنطقة التي سبقت الإشارة عليها.
(3) محاصرة تياري الإسلام السياسي والشيوعية على حد السواء حيث إن الأول يمثل بعبعاً للخليج والثاني يُعتبر مهدداً تاريخياً للمصالح الأمريكية، ورافضاً للهيمنة الإمبريالية..
(4) إنتاج نظام سوداني مُشابه للنظام المصري تماماً..
(5) ضمان استمرار الجيش السوداني في اليمن.
ولتحقيق هذه الأهداف الخمسة سارع الفريق الأمريكي الخليجي إلى التقرب من المكون العسكري في المجلس السيادي ودعمه سياسياً ومالياً في محاولة لاحتوائه، ومن نتائج تلك التحركات الدور الكبير الذي لعبه وزير خارجية أمريكا بومبيو في ترتيب اللقاء بين البرهان ونتنياهو في عنتبي ومكاسبها لـ»اللاعب الخفي»، والزيارة المرتقبة لرئيس مجلس السيادة الفريق أول البرهان لكل من الرياض وواشنطون، والتي سبقتها زيارات أخرى لمصر والإمارات والسعودية، هذا فضلاً عن الزيارات المتكررة لنائب رئيس المجلس السيادي الفريق أول محمد حمدان دقلو «حميدتي» لكل من أبوظبي والرياض…
ثانياً: الفريق الأوروبي
ويقف هذا الفريق وفقاً لكثير من المعطيات إلى جانب المكون المدني بالحكومة الانتقالية ويسعى لدعم رئيس الوزراء عبدالله حمدوك تحت لافتة حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولعل الاهتمام الفرنسي، والألماني يشير إلى ذلك فضلاً عن دعم الاتحاد الأوروبي للسودان بعد زيارة الرئيس الألماني للبلاد والتي تلتها زيارة منسق العلاقات الخارجية بدول الاتحاد الأوروبي وتتمثل أهداف هذا الفريق في النقاط التالية:
(1) تعزيز قيم الديمقراطية والحكم الرشيد، وحماية حقوق الإنسان.
(2) منع رحلات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، ومكافحة الإرهاب.
(3) إنعاش السوق الأوروبية بالمنتجات السودانية خاصة اللحوم والمنتجات الزراعية المختلفة.
ثغرات مكشوفة

الناظر إلى المشهد السياسي السوداني يدرك أن حكومة السودان الحالية ليست كتلة صماء، فهناك المجلس السيادي الذي يهيمن على الأوضاع السيادية والأمنية بشكل كبير، وداخل المجلس السيادي نفسه تختلف أهداف المكون العسكري عن المكون المدني، وهناك أيضاً التحالف السياسي العريض الذي يضم أحزاباً سياسية وتجمعات تختلف أهدافها وأجندتها فيما بينها، هذه التباينات والاختلافات هي ما أوجدت مساحة واسعة للسباق الدولي الذي سبقت الإشارة إليه، كما أن هذا الاختلاف أوجد عدة ثغرات مكشوفة يمكن للمراقب السياسي أن يرى من خلالها التدخلات الدولية والإقليمية في الشأن الداخلي، بهدف التأثير على مسار علاقات السودان الخارجية مما يؤثر على السياسة الخارجية محل الإجماع والمنصوص عليها في الوثيقة الدستورية وهي انتهاج سياسة خارجية متوازنة تضع مصالح البلاد في المقدمة، إلا أن هذا المنهج تهزمه رغبة بعض الدول في استمرار قطع علاقات السودان مع بعض الدول الصديقة مثل إيران التي اُغلقت سفارتها بالخرطوم تحت وطأة رغبة بعض دول المحاور المتصارعة على السودان ولا تزال، كما أن هذا المنهج تهزمه أيضاً رغبة بعض الدول التي تريد لعلاقات السودان مع تركيا أن تظل فاترة بعد الثورة، وهي أمور تعكس التدخلات الدولية والإقليمية في رسم سياسة السودان الخارجية وفقاً لرغبة بعض الدول.

 

صحيفة الانتباهة