تحقيقات

مصنع أسمنت عطبرة.. بــيــع بـ(الأقساط)..

 

المرصد السوداني



تخيل سيدي القارئ أن تُمنح شركة أو مصنعاً ناجحاً ورابحاً يسيطر على سوق الأسمنت في السودان بالأقساط المريحة وكأنك تشتري عربة أو قطعة أرض، فهل ستترك صفقة مشابهة، لا تندهش فما رويته كجزء من قصة قد تتخيلها خيالية حصلت بالفعل عند بيع مصنع أسمنت عطبرة الذي لأسباب غير معروفة تم بيعه في فترة من الفترات بأبخس الأثمان وتم تشريد ما يزيد عن 1226 عاملاً دون حقوق، ودون أن يطرف جفن الحكومة حينها وكأنها لم تفعل شيئاً أو ربما هي تحسب نفسها أنها تصنع شيئاً حسناً
ما سبق من رواية البيع تم لأحد أهم المشاريع في السودان الذي تأسس في العام 1947 كجزء من القطاع العام الحكومي ثم تحول لمؤسسة (ماسبيو) 1970 ثم إلى شركة مختلطة تسهم فيها الحكومة بنصيب معتبر 1983 ،حتى حان عام 2002 حيث كان عام الحسم بالبيع لواحد من أنجح المصانع في الإقليم الأفريقي وتم البيع لأسباب واهية جداً لمستثمر عربي من أجل أن يطور المصنع ليزيد الإنتاج ومن أجل أن يقدم سلعة رخيصة للمواطن السوداني، ولك أن تتخيل –سيدي القارئ أكرمك الله- أن سعر الأسمنت في السودان حالياً الذي لا يكلف إنتاجه الكثير من المواد الخام حيث تتوفر في جبال متوفرة بكثرة في السودان فما عليك سوى دكها لتصبح مع بعض الإضافات (اسمنتاً ) فلك أن تتخيل أن سعر جوال الأسمنت أغلى كثيراً من سعر الأسمنت المستورد من دولة مجاورة …وتلك قصة أخرى سنأتي لها في يوم آخر تتمثل في إضعاف المنتجات الوطنية من أجل المستورد، فأية دولة تفعل ذلك باقتصادها ! حسناً.. (الانتباهة) ستفتح ملف بيع المصنع وتكشف بالمستندات خفايا البيع وضياع تنمية البلاد.
المصنع للبيع
مصنع اسمنت عطبرة الذي وضع بصمته في كافة منشآت البلاد دون استثناء باعتباره من اجود المصانع انتاجاً للاسمنت، لنجد انه لحق به ما لحق بنظرائه من الهيئات الحكومية ذات التاريخ الواضح في مصير الخصخصة مثل هيئة النقل النهري والسكة الحديد والكثير من الهيئات التي فضل المسؤولون خصخصتها وبيعها للاستثمار بدلاً من ان تظل حكومية يهتم بها المواطن ويفيد ويستفيد منها، وتحصلت «الانتباهة» على المستندات التي تشير الى ان فكرة بيع المصنع نتيجة لسياسة الخصخصة التي انتهجتها حكومة الانقاذ بالرغم من محاولة النقابة التصدي للبيع باعتبارها يمكن ان تنهض بالمصنع وتعيد له ازدهاره وتبعده عن الاغرض السياسية، وفندت الدعاوى المتعلقة بخسارته ونبهت بحسب حديث رئيس لجنة مفصولي مصنع اسمنت عطبرة عبدالمنعم لـ»الانتباهة» بالمخاطر التي ستلحق بالمصنع جراء تنفيذ البيع الامر الذي دعا النقابة ومديري الادارات بالمصنع ان يدفعوا بمذكرة في عام 2002م الى رئيس اللجنة الاقتصادية بالمجلس الوطني .
إعادة تأهيل
وقال رئيس لجنة المفصولين عبد المنعم للصحيفة ان المذكرة تضمنت عدة بنود اهمها ان المصنع ليس بالسوء السائد عنه وانما يحتاج الى اعادة تأهيل محدود تقدر قيمته بحوالي «10» ملايين دولار ليصل الى طاقته الانتاجية القصوى واقترح المديرون ان ينص العقد على الفترة الزمنية التي سيتم فيها التأهيل بواسطة المشترين واضافة خط انتاج ثالث بطاقة انتاجية مليون طن مع الاشراف من قبل وزارتي المالية والصناعة القومية، بجانب الالتزام بتأمين استمرارية تشغيل خطوط الانتاج حتى لا يقع الضرر على العاملين .
موافقة رئاسية
وبالرغم من المحاولات التي اجراها المديرون والنقابة بالمصنع لوقف عملية البيع الا ان موافقة بيع مصنع اسمنت عطبرة صدرت بمرسوم رئاسي بموجب قرار اللجنة العليا رقم «113» بتاريخ 8 نوفمبر 2001م واشارت المستندات الى ان الطرفين اتفقا على عقد تأسيس شركة اسمنت عطبرة بشهادة بحث للأراضي التي تقوم عليها الشركة ووضع خطة اعادة تأهيل والتوسعة كما تتضمن الاتفاق ان شركة اسمنت عطبرة المحدودة خالية من الالتزامات المالية او القانونية ويشمل ذلك عدد «10,000» سهم مصدرة مدفوعة القيمة بالكامل ومصنع الطوب بالاضافة الى العقارات والاراضي المملوكة للشركة و بجانب الاصول الثابتة والمنقولة والمخزونات الواردة بحسابات الشركة بتاريخ 30 يونيو 2002م واموال وحقوق الملكية الفكرية لشركة الاسمنت ويضم اسم الشهرة واسماء الاعمال ونماذج وبراءات الاختراع وكل ما له قيمة مالية او معنوية ومملوك بتاريخ ابرام العقد .
بيع بالأقساط
وباعتبار ان الحكومة لها مديونية قرر الطرفان البائع (وزارة المالية) والمشتري (المستثمر الاجنبي) على ان تكون قيمة المصنع الكلية «41» مليون دولار ويتم سداد مبلغ»20,5 « مليون دولار مقدماً يسلم عند التسليم في فترة اقصاها 6 اسابيع من تاريخ توقيع العقد 50% منه يسدد نقداً بينما البقية عن طريق اطفاء الديون . اما المبلغ «20,5»مليون دولار الاخر يتم تسديده على خمسة اقساط متساوية لمدة «4» اعوام من تاريخ عقد البيع وقال العاملون ان المصنع لو بيع للعاملين بهذه التسهيلات لنجح في تنفيذ العقد وتطوير المصنع بما يخدم اقتصاد البلاد .
«دغمسة»
كما تحصلت «الانتباهة» على مستندات تكشف عدم صلاحية بعض الاليات في المصنع التي من اجلها قررت وزارة العدل تكوين لجنة تحقيق حول مخالفات شراء الاليات المستعملة بالمصنع واجراء زيارة تفقدية للوقوف على المصنع والمحجر وكتابة الملاحظات في تقرير يسلم الى الوزارة وكان ذلك في عام 2000م لتلخص اللجنة زيارتها في سطور تبين اطلاعها على المستندات واستماعها للشهود وعلاقتهم بإدخال اليات مخالفة ، لتكشف مصادر لـ»الانتباهة» انه قد تم تمويه التقرير ومنح اللجنة حافزاً مادياً بقيمة «50 « الف دينار –حينها-، ولم ير التقرير النور مرة اخرى لتعاد نفس التجربة في الاعوام القليلة الماضية وفي العام الحالي سطرت لجنة من داخل المصنع تقريراً اشار الى انه بعد تحليل الفيرنس المصري (فلتر) الذي كان مطابقاً للمواصفات الا انه بعد بداية التفريغ توقفت طلمبات السحب وبعد الفحص وجدت نسبة كبيرة من الرمل بالفلاتر و بعد ان خضعت مرة اخرى للدراسة اجمع كافة المهندسين بانه هو نفسه الفيرنس الذي سبق وان تسبب في ايقاف ماكينة توليد بالكامل، وبموجب ذلك تم رفض العربات نسبة لحساسية ماكينات التوليد مما ادى الى قرار الادارة بتحويل الكمية للاستخدام في حرق الفرن الا انه تكرر وجود الرمل وبعض قطع القماش وقطع بلاستيكية بفلاتر طلمبات التفريغ والتي تؤدي الى اضعاف عمليات السحب مما يتطلب نظافة كل «ربع ساعة» ونتج عن ذلك توقف الطلمبات عن العمل وربما يؤدي ذلك الى تعطيل نظام التفريغ بالمصنع، بالاضافة الى تعطيل منظومة الضغط المنخفض التي بدورها ترسل الوقود الى منظومة الفرن ، وتضمن التقرير افادة رئيس القسم الذي اشار الى انه في العام السابق تم جلب وقود يحتوي على كميات كبيرة من الرمل والاوساخ ادت الى توقف كافة مضخات التفريغ والضغط المنخفض ولفت الى ان الوضع لا يحتمل تكرار التجربة .
أفعى الخصخصة
ويقول رئيس لجنة المفصولين من مصنع اسمنت عطبرة عبدالمنعم عبدالحفيظ البشير لـ»الانتباهة» ان ابرام عقد البيع في الخرطوم بين وزارة المالية ممثلة لحكومة السودان والمتملثة في اللجنة الفنية للتصرف في اموال القطاع العام كانت صاحبة الأمر والنهي التي تحول المؤسسة الرابحة إلى خاسرة فتبيعها مثل اسمنت عطبرة حسب المزاج دون ان يفهم الشعب من امرها وقدرها بين الناس وطالب وزير المالية باعتباره الجهة المسؤولة بحل اللجنة الفنية للتصرف في مرافق القطاع العام واصفاً اياها بالافعى التي قامت بخصخصة كل الشركات، وطالبه بالقبض فوراً على رئيس اللجنة الفنية للتصرف في مرافق القطاع العام والرئيس السابق لاتحاد نقابه العمال لمسؤوليتهم عن ضياع حقوق العمال وتشريدهم لصالح المستثمر .ولفت عبد المنعم الى ان للمصنع ملفان مهمان مما يحتاج الى التدخل العاجل من قبل الجهات المسؤولة للوقوف على اولاً ملف شبهات الفساد المحيطة ببيع المصنع، اما الملف الثاني ويتعلق بقضية تشريد العاملين وما وقع عليهم من ظلم مما دفعهم الى رفع مظلمتهم الى القضاء وصدرت بصددها احكام لم تنفذ لغياب العدالة التي عرف بها النظام البائد، ولجهة ان القضية تدور حولها الكثير من الشبهات .
لا كرامة
ويواصل رئيس لجنة المفصولين عبد المنعم الذي تحدث بلسان المفصولين ان العامل السوداني كان يواجه معاملة حقيرة لدرجة الاستعباد لحرمانه من ادنى مقومات الكرامة والانسانية وهضم حقوقه في العمل التي يفترض ان تكفلها التشريعات الوطنية والدولية، ولكن يتم فصله لابسط الاسباب ولا يساوى ذلك في نظر الادارة سوى راتب الستة اشهر المحددة بالقانون . واشار عبدالمنعم الى رفع عريضة تضم كافة الاشكالات الى النائب العام بالدامر ولاية نهر النيل ولا حياة لمن تنادي وطالب بضرورة التدخل العاجل لنصرة المواطنين وارجاع حقوقهم المسلوبة .
إجراء قانوني
ويقول عبدالمنعم من لجنة المفصولين انهم خاطبوا نيابة الاموال العامة، مستندين على القانون الجاني لعام 1991م وقانون الحسبة والعامة واستناداً على الشريعة الاسلامية لفتح بلاع في مواجهة الرئيس والامين العام لعمال شركة الاسمنت عطبرة في فترة بيع المصنع «الراجحي « سعودي الجنسية وقالوا ان المصنع عام مملوك للعامة من ابناء السودان ويقع في الحدود التابعة ادارياً لمدينة عطبرة ويسهم المصنع في ازدهار اقتصاد البلاد والتنمية كما انه يدعم الميزانية السنوية لحكومة السودان ، واشار عبد المنعم ان كافة اجراءاته القانونية لم تسلك الطريق الصحيح ووقفت في مكاتب المسؤولين بالنيابة، الامر الذي دفعه الى ان يقدم المستندات الى منظمة «زيرو فساد» ويجعلها قضية راي عام حتى يجدوا من يقف بجانبهم ويساندهم في استرجاع حقوقهم .
بلاغات
فيما دونت منظمة «زيرو فساد» بلاغاً بنيابة الفساد في مواجهة كل من وزير المالية الاسبق عبدالرحيم حمدي ورئيس لجنة التصرف في المال العام الزبير أحمد الحسن، و مدير المصنع في ذاك الوقت احمد خليل، لبيعهم مصنع اسمنت عطبرة واستنادهم على القرار «113» الصادر من مجلس الوزراء في عام 2002م وقال رئيس المنظمة نادر العبيد لـ»الانتباهة» ان اجراءات البيع غير سليمة كما ان قيمة المصنع «41» مليون دولار لم تورد في خزينة الدولة، بالاضافة الى توقف المصنع عن الانتاج وبيع الآليات كخردة، بجانب التصرف في مرافق تتبع لمصنع الاسمت في كل من الخرطوم بيع مبنى بشارع المك نمر وبناية ذات «3» ادوار ببورتسودان لا يعرف لها اثر ولم تسدد اموال بيعها بخزينة الدولة، مشيراً الى المطالبة بحقوق المفصولين الذين تم تشريدهم والبالغ عددهم» 1226» مفصولاً .

 

تحقيق: نجلاء عباس

 صحيفة الانتباهة