د. الشفيع خضر سعيد يكتب : السودان والسلام الضائع

المرصد السوداني



السلام هو أحد أضلاع مثلث شعار ثورة السودان المتساوي الأضلاع، والضلعان الآخران هما الحرية والعدالة. إبان نظام الفساد والاستبداد البائد، كنا نحلم بأن أجنحة السلام سترفرف في البلاد بمجرد سقوط النظام. وبعد انتصار الثورة، قدّر البعض، والحركات المسلحة من زمرة هؤلاء البعض، أن السلام سيتحقق خلال الشهر الأول من تكوين الأجهزة الانتقالية.
أما الإعلان الدستوري، فكان أكثر تعقلا وواقعية، فحدد إنجاز السلام خلال الستة أشهر الأولى للفترة الانتقالية. التفاؤل، وتحديد الشهر والستة أشهر، لإنجاز عملية السلام، لم يكن اندفاعا عاطفيا أعمت بصيرته فرحة الانتصار، وإنما كان يستند على أسس موضوعية تقول إن محادثات السلام هذه المرة، هي أقرب للحوار من التفاوض، لأنها لن تدور بين خصوم أعداء بل بين حلفاء شركاء وإن جلسوا على ضفتين، وأن من أهم مقومات نجاحها، وهي في نفس الوقت ستكون من أسباب فشلها إذا لم تؤخذ بعين الاعتبار، هي إدراك الجميع بأن الثورة خلقت واقعا جديدا مختلفا عن الواقع السابق، ومؤاتيا أكثر منه لتحقيق السلام، خاصة وأن الحركات المسلحة شريك أساسي في إزكاء شعلة هذه الثورة المجيدة.
وها نحن، قبل أقل من شهرين، احتفلنا بعيد الميلاد الأول لانتصار الثورة. وأجهزة الحكم الانتقالي تقترب من إكمال عامها الأول. ومع ذلك، لا يزال السلام بعيدا. لقد أطلقناها صرخة من قبل، ونكرر ذلك الآن، إذا ما كانت الإرادة المسيطرة حقا عند كل الأطراف، هي الاستجابة لشعارات ثورتنا المجيدة، فليس هناك سوى اتجاه واحد فقط يجب أن تسير فيه محادثات السلام، وهو الاتجاه المؤدي إلى النجاح.
لا مجال للفشل إطلاقا، لأن الفشل يعني انتكاسة حقيقية لثورة السودان، ويضرب الفترة الانتقالية في مقتل. والسلام، في تصوري، هو البوابة الوحيدة التي من خلالها يمكن أن ننجز مهام الفترة الانتقالية الأخرى. وبالنسبة لنا، فإن فشل محادثات السلام ليس هو فقط انفضاض جولاتها دون اتفاق بين الطرفين، وإنما ابتسارها واختزالها في مجرد اقتسام كراسي السلطة، الإتحادية والولائية، بعيدا عن حقوق وتطلعات شعبنا في مناطق النزاع والحروب. ومن البديهي أن معيار نجاح أي مسار أو منبر تفاوضي ليس هو ما سيحققه هذا المنبر من مكاسب لأطراف التفاوض، وإنما في قدرته على فض حلقات الأزمة الوطنية لصالح الشعب السوداني، أي قدرته على مخاطبة جذور الأزمة، كما يقول الجميع.

أكد اتفاق الميرغني الحلو على الالتزام بوحدة السودان الطوعية المؤسسة على الديمقراطية والتعدد الديني والعرقي، والثقافي، ورفض قيام الأحزاب السياسية على أساس ديني

وإذا ما رجعنا بالذاكرة إلى الاتفاقات السابقة، سنلاحظ أن ما تم التوافق عليه كان خطوة هامة في اتجاه وقف الحرب. لكن، قطاعات واسعة من الشعب السوداني كانت تصر على أن محصلة اتفاقية السلام الشامل جاءت تعبيرا عن الرؤى السياسية للحركة الشعبية وحكومة الإنقاذ، في حين القضايا ذات الصبغة القومية الشاملة جاءت كناتج ثانوي لهذه الرؤى. وأن منابر أبوجا والدوحة والشرق لم تتناول قضية التهميش في دارفور وشرق السودان وفق المنظور السياسي القومي، بل اختزل الأمر في اتفاق فوقي حول اقتسام كراسي السلطة. وأن اتفاق القاهرة بين التجمع والحكومة، رغم بنوده الثلاثة عشر التي تغطي معظم حلقات الأزمة السودانية، تلخص في محاولة لزيادة نصيب أحزاب التجمع في كعكة السلطة! وغض النظر عن الاتفاق أو عدمه مع أي من هذه الرؤى، إلا أنها، في تقديري، كانت تحتوي على بعض الجوانب الموضوعية.
أما الملفت للنظر، والمزعج في آن، بالنسبة لعملية السلام الجارية الآن، هو أن المحادثات بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، تعثرت فتوقفت منذ البدايات الأولى.
تقول الحركة إنها أرسلت للحكومة منذ عدة أشهر موقفها من قضايا التفاوض، ولكن حتى اللحظة لم يصلها رد، بينما أروقة الحكومة تقول إنها ترى في طرح العلمانية من جانب الحركة خروجا على نص قضايا التفاوض.
ومباشرة نحيل هؤلاء إلى الاتفاق الموقع بين الحزب الاتحادي الديمقراطي، وقع عنه نائب رئيس الحزب السيد جعفر الصادق محمد عثمان الميرغني، والحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال، وقع عنها زعيم الحركة عبد العزيز آدم الحلو، بتاريخ 29 يناير/كانون الثاني 2020، مشددين منذ البداية على أن لا أحد يمكنه أن يزايد على القامة الدينية لزعامات الحزب الاتحادي الديمقراطي وطائفة الختمية، ولا على التوجه الإسلامي العام للحزب، والذي ضرب مثلا في كيفية تطويع مبادئه وتوجهاته لخدمة وقف الحرب وبسط السلام والحفاظ على وحدة البلاد.
وهذا المسلك ليس بالجديد على الحزب، فقد كان حاضرا في اتفاقية الميرغني قرنق، نوفمبر/تشرين الثاني 1988، وفي توقيع الحزب على قرارات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، يونيو/حزيران 1995، والتي تضمنت قرار فصل الدين عن السياسة.
أكد اتفاق الميرغني الحلو على تفهم الحزب الاتحادي الديمقراطي لدوافع مطالبة الحركة الشعبية بالعلمانية وتقرير المصير، والتزامه بالعمل مع الأطراف السودانية لمعالجة الأمر سعيا لوقف الحرب ودرءا للفتنة الدينية. كما أكد الالتزام بوحدة السودان الطوعية المؤسسة على الديمقراطية والتعدد الديني والعرقي، والثقافي، ورفض قيام الأحزاب السياسية على أساس ديني. ونادى بإلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات وتلك التي تميز بين المواطنين بسبب العرق أو الدين أو الجنس أو الثقافة، والرجوع لقوانين سنة 1974، إلى حين التوافق على الدستور الدائم. كما دعا لصياغة قوانين بديلة تضمن المساواة الكاملة بين المواطنين دون تمييز تأسيسا على حق المواطنة، وتتطابق مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ويبطل أي قانون يصدر مخالفا لذلك، ويعتبر غير دستوري.
وشدد الاتفاق على محاكمة كل من ارتكب جرما في حق الوطن والمواطن، كشرط لإفساح المجال لتحقيق العدالة الانتقالية.
أعتقد أن اتفاق الميرغني الحلو، وكما جاء في متنه، يمثل نموذجا للحكمة السودانية في معالجة القضايا العصيبة التي تجابه الوطن، ويمكن أن يشكل أساسا لمصالحة وطنية شاملة، تداوي مرارات الصراع، وترمم الشروخ الاجتماعية.

 

الراكوبة نيوز

مواضيع ربما تعجبك

المنتخب يواجه السودان في كأس العرب

تستعرض “البوابة سبورت” أبرز مواعيد المباريات التي تقام اليوم السبت 4 - 12 - 2021 ، والذي يشهد ال

برطم : الإخوان إلى مزبلة التاريخ ولن يعودوا للحكم وخلال ساعات ستحل ازمة الشرق

ملفات شائكة تشكل نقاط توقف بالمشهد السوداني تطرق لها عضو مجلس السيادة الجديد أبو القاسم محمد برطم، وقدم توضي

برطم : ترشيحات الوزراء ستأتي من الولايات

اكد عضو مجلس السيادة، أبوالقاسم برطم، بأن رئيس الوزراء، د. عبدالله حمدوك، يعكف هذه الأيام على اختيار وزراء م

البرهان لـ”الحدث”: علاقة السودان مع إسرائيل ربما تتخذ شكلاً طبيعياً في النهاية

 

السودان تصدر 23 ألف رأس ماشية إلى السعودية

أعلنت السودان، عن تصدير أكثر من 23 ألف رأس من الماشية إلى المملكة العربية السعودية، خلال الخمسة أيام الماضية

أنطونيو غوتيريش : التشكيك في إتفاق “البرهان ـ حمدوك” سيكون خطيرًا جدًا على السودان

دعا الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش الشعب السوداني إلى تغليب “الحسّ السليم” والقبول

جعفر محمد الحسن : مشاورات تجري لترشيح الأمين داؤود حاكمًا لإقليم الشرق

كشف الأمين السياسي للجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة، جعفر محمد الحسن عن مشاورات تجري الآن بين الحكومة

مركزي التغيير : التمادي في الانتهاكات اثقال لفاتورة واجبة السداد

أكد المجلس المركزي القيادي للحرية والتغيير أن التمادي في الجرائم والانتهاكات ما هو إلا اثقال لفاتورة واجبة ا

الكونغرس متمسك بمشروع «العقوبات الفردية» على السودان

عاد الكونغرس الأميركي إلى الانعقاد بعد عطلة امتدت أسبوعاً بمناسبة عيد الشكر، وبانتظاره أجندة مشبعة بالملفات

إثيوبيا تنفي شن هجوم على السودان وتتهم متمردين بالوقوف وراء العنف

نفت إثيوبيا أن تكون شنت هجوماً في بداية الأسبوع عند حدودها مع السودان، وحمّلت متمردين من منطقة تيغراي التي

عمر احساس يقابل وزيرة الثقافة والاعلام بجنوب السودان

  قابل الفنان عمر احساس رئيس اللجنة الثقافية باتحاد الفنانين وزيرة الثقافة والاعلام بدولة جنوب السودان

فايننشال تايمز: حمدوك يدافع عن اتفاقه مع الجيش ويتحدث بواقعية عن الانتقال السياسي في السودان

  نقلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن رئيس الوزراء السوداني العائد إلى منصبه، عبد الله حمدوك،

ضبط كميات كبيرة من الحشيش بجنوب كردفان في السودان

قامت قوات الدعم السريع قطاع كردفان، بالقبض على عصابة تنشط في تجارة المخدرات، وأنه تم تكوين غرفة عمليات ومتاب

مجلس البجا يهدد بالعودة الي إغلاق شرق السودان

قال أمين الإعلام بالمجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة عثمان كلوج، إن العد التنازلي بدأ لإغلاق شر

رابط التقديم الالكتروني للجامعات السودانية 2021 - موقع وزارة التعليم العالي السودان

تصدر البحث في السودان، خلال الساعات الماضية، البحث عن رابط التقديم الالكتروني للجامعات السودانية 2021، مع بد

السودان تمنع دخول القادمين من 5 دول أفريقية

منعت السودان دخول القادمين من خمس دول أفريقية للبلاد، بسبب تفشي متحور جديد من كورونا. وأفادت السلطات الصحية

السودان تتخذ قرارات عاجلة بشأن متحور ” أوميكرون “

أوميكرون أفادت بعض المصادر الصحفية الصادرة في الساعات الأولى من صباح اليوم الأحد عن إتخاذ السلطات في السو

أزمة دبلوماسية بين السودان وجنوب إفريقيا بعد إعفاء السفير نقد الله

تشهد علاقات السودان وجنوب إفريقيا بوادر أزمة دبلوماسية في أعقاب إعلان الأخيرة أن السفير أسامة نقد الله ما يز

عدد الزوار

2206 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع