د.الشفيع خضر سعيد يكتب : أجهزة الأمن والفترة الانتقالية في السودان


المرصد السوداني



د. الشفيع خضر سعيد

خلال الأسابيع الماضية، شهدت عدة مدن في السودان، انفلاتا أمنيا متفاوتا في تواتره ودرجة حدته، وصل ذروته قبل أسبوع عندما شرعت قوات هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات السوداني في إطلاق النيران بكثافة في الهواء، في خطوة وصفها البعض بمحاولة تمرد وإشاعة الذعر والفوضى تمهيدا لانقلاب عسكري تقوده عناصر نظام الانقاذ المباد، بينما البعض الآخر يقلل من شأن ما حدث ويصفه بأنه مجرد احتقان واحتجاج من هذه القوات بسبب تأخر صرف استحقاقاتها المالية. وهيئة العمليات هذه هي قوة خاصة تعدادها يقترب من 13 ألف مقاتل تم اختيارهم بعناية، ودربوا بعناية أيضا لمواجهة عدو مفترض، هو للأسف الشعب السوداني، لذلك اشتهرت هذه القوة بسفك دماء المواطنين العزل، وخاصة إبان الحراك الثوري الذي هزمها شر هزيمة بسلاح السلمية والعزيمة والإرادة. ونحن هنا لا نود أن نستقصي حول طبيعة ما حدث، فهذا يمكن تناوله في مجال آخر وبعد توفر المعلومات الكافية. ولكنا، وبغض النظر عن طبيعة هذا الانفلات الأمني، احتجاجا مطلبيا أم تمردا انقلابيا، نود التطرق إلى مسألتين لهما علاقة بالحدث، الأولى وضع جهاز المخابرات العامة السوداني، باعتبار أن أصابع الاتهام حول مسببي الانفلات الأمني، ثم التمرد، تشير إلى الجهاز، والمسألة الثانية هي تقوية العلاقة والشراكة على أسس صحيحة بين الشعب والجيش والقوات النظامية في السودان.
جهاز الأمن السوداني الذي أسسه نظام البشير، لم يقنع السودانيين، في أي لحظة من اللحظات وطيلة ثلاثة عقود، بأنه جهاز قومي يحمي الوطن والمواطن بقدر ما رأوا فيه جهازا حزبيا خالصا يحمي مصالح الحزب الحاكم. وبعد ثورة ديسمبر/كانون الأول الظافرة، ظل السودانيون يرون في جهاز الأمن بؤرة للثورة المضادة ومخلبا للدولة العميقة، ويعتبرون التقصير في حله أو إعادة هيكلته بمثابة دعوة كريمة له للتحضير للانقضاض على الثورة، ولمواصلة دوره القمعي إثر انقلاب مؤجل إلى حين. وكنا قد كتبنا مع بدايات انتصار الحراك الثوري، أن الثورة أطاحت بالغطاء السياسي فقط لنظام الإنقاذ، بينما المُغطى لا يزال باقيا يؤدي فعله المضاد، ويستعد لاستعادة غطاء سياسي جديد، وجهاز الأمن ركن أساسي من أركان هذا المُغطى، وبدون إعمال مبضع الثورة العلاجي فيه، فإن انتصار الثورة لن يكتمل.

جهاز الأمن السوداني الذي أسسه نظام البشير، لم يقنع السودانيين، في أي لحظة من اللحظات وطيلة ثلاثة عقود، بأنه جهاز قومي يحمي الوطن والمواطن بقدر ما رأوا فيه جهازا حزبيا خالصا يحمي مصالح الحزب الحاكم

يحاجج البعض بأن الأحداث الأخيرة تؤكد بأن المسألة ليست مجرد تغيير في قيادة جهاز الأمن مثلما هي لم تعد مجرد إجراء إصلاحات فيه، بقدر ما أن الضرورة، ولحماية الثورة، تقتضي إعادة بنائه أو إعادة هيكلته، حتى تتوافق عقيدته الأمنية مع مبادئ الثورة المجيدة في الحرية والتحول الديمقراطي وتعزيز حكم القانون وتحقيق السلام والعدالة، وتحقيق التنمية المستدامة، ومع مبادئ حقوق الإنسان وفق المواثيق والعهود الدولية. وأعتقد أن أولى الخطوات في هذا الاتجاه هي إعمال المحاسبة، وفق القانون، والمعاقبة على أي انتهاكات سببها أي فرد من أفراد الجهاز بحق المواطن والوطن، على أن يتزامن ذلك مع إعادة بناء الجهاز على أساس مهني وقومي بعيدا تماما عن الانحيازات السياسية والعقائدية، ومع تجسيد مبدأ المساءلة والشفافية في كل أنشطة الجهاز، ومحاربة الفساد واستغلال النفوذ، وضرورة المشاركة السياسية ومن المجتمع المدني في رسم السياسات الأمنية، وكل ذلك على أساس تقوية الإدارة المدنية والمحاسبة الديمقراطية للجهاز، وتقوية إشراف السلطة التشريعية ورقابة المجتمع المدني عليه.
ومن الضروري جدا إدراك أن إعادة بناء أجهزة الأمن ليست مجرد عملية فنية تقنية، وإنما هي ميدان للتجاذبات والصراعات السياسية المرتبطة بتطلعات السيطرة أو النفوذ الفاعل على السلطة. لكن، من الممكن إدارة هذه العملية، برغم صراعاتها هذه، إذا ما تم التمسك والتقيد بالهدف الرئيسي لمفهوم إعادة بناء القطاع الأمني، والمتمثل في القومية والمهنية بعيدا عن الحزبية، ولصالح حماية الوطن والحياة الديمقراطية. وتجربة العديد من البلدان الخارجة من أنظمة قمعية، كبلدان ما يعرف بالربيع العربي، تشير إلى مجموعة من التحديات التي تواجه هذه العملية. أولى هذه التحديات الاستقطاب السياسي الشديد الذي يمكن أن يؤدي إلى تسييس العملية ومن ثم إجهاضها. ومن المؤكد أنّ وحدة القوى السياسية حول قومية الأجهزة الأمنية والعسكرية وإبعاد السياسة عنها، وفرض السيطرة المدنية عليها، هي أمر أساسي لضمان نجاحها ونجاح التحول الديمقراطي.
أما التحدي الثاني، فيتمثل بالمقاومة القوية داخل صفوف الأجهزة الأمنية ضد محاولات الإصلاح وإعادة الهيكلة، باعتبارها ستأتي خصما على امتيازاتهم، وربما وظائفهم، ناهيك عن المقاومة المرتبطة بالموقف السياسي والإيديولوجي. ويتمثل التحدي الثالث في القدرات والموارد المحدودة للحكومة الانتقالية. لكن، أعتقد أن الإمكانات المادية لأجهزة القطاع الأمني والعسكري والشرطي، والتي ظلت تتمتع بحرية وتسهيلات في التعامل الاقتصادي والمالي طيلة فترة الإنقاذ، وتمتلك عددا من الشركات والمؤسسات الضخمة، هذه الإمكانات يمكن استخدامها في تمويل عمليات إعادة البناء والهيكلة. ويتمثل التحديان الرابع والخامس اللذان يعرقلان إصلاح قطاع الأمن في ضعف المؤسسات الديمقراطية، ومحدودية المعرفة والخبرة في ما يتعلق بمتطلبات هذا الإصلاح. وهناك تحد خاص سيظهر مع بدء تنفيذ الترتيبات الأمنية والعسكرية، إذا ما تم التوافق عليها، ويتجلى في عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج على أساس الولاء للبنية القيادية المسيطرة، بعيدا عن الولاءات السابقة لعملية الدمج. وهناك تحد هام جدا، وهو كيفية تخلص الأجهزة الأمنية من الثقافة المرتبطة بالقمع والقسوة، والتي كانت بمثابة العقيدة لهذه الأجهزة في ظل الإنقاذ.
أخيرا، يمكننا التلخيص بأن جوهر عملية إصلاح القطاع الأمني يكمن أولا في رد المظالم والمحاسبة، وتخليص الأجهزة الأمنية من براثن الثورة المضادة لصالح قوميتها وعدم تسييسها، وكل ذلك يتطلب التوافق السياسي، والإشراف المؤسسي، وسن تشريعات وقوانين جديدة تحقق فرض سيطرةً مدنية فعالة على المؤسسات الأمنية والعسكرية والشرطية. بدون هذه العملية لن نستطيع إنجاز مهام الفترة الانتقالية.

 

صحيفة الراكوبة نيوز

 

مواضيع ربما تعجبك

في أول حوار له بعد أدائه القسم والي وسط دارفور : هذه اولوياتي (.....) وساقتلع منسوبي النظام البائد م

شماعة النظام المخلوع ليس مبررا لاستمرار المعاناةولد في منطقة جلدو على سفوح جبل مرة نشأ وترعرع في منطقة زالنج

والي وسط دارفور سأكون واليا علي كل الكأئنات الحية في الولاية

  الخرطوم المرصد السودانيأكد الدكتور اديب عبدالرحمن يوسف والي وسط دارفور عقب أداءه اليمين الدستوري الي

تجميد قرار السماح بعمل المقطورتين في الطرق القومية

الخرطوم: المرصد السودانيأصدر وزير مجلس الوزراء قرار قضي بتجميد  السماح بعمل المقطورتين في الطرق القومية.و

مدن السودان نتنفض: آلاف السودانيين يتظاهرون بمدن السودان المختلفة للمطالبة بتسريع الإصلاح وتصحيح مسا

  المرصد السوداني {googleads}خرج آلاف السودانيين، الثلاثاء، في مظاهرات ومواكب هادرة بالعاصمة الخرطوم وا

أسعار الدولار بصحبة الريال السعودي بتعاملات السوق السوداء .. أسعار العملات مقابل الجنيه السوداني الي

المرصد السوداني {googleads}صعد متوسط اسعار العملات الاجنبية خلال تعاملات اليوم الصباحية اليوم الثلاثاء رغم

حمدوك: قرارات حاسمة ومؤثرة في مسار الفترة الإنتقالية خلال الأيام المقبلة

المرصد السوداني {googleads}كشف د. عبد الله حمدوك رئيس مجلس الوزراء الحكومة الانتقالية في السودان، عن قرارات

السودان يدعو مجلس الأمن لمنع ملء سد “النهضة” دون اتفاق

المرصد السوداني {googleads}دعا السودان مجلس الأمن إلى “ثني جميع الأطراف” في مفاوضات سد “ا

جلسة حوار مباشرة بين الحكومة الانتقالية وفد الجبهة الثورية في الخرطوم

المرصد السوداني {googleads} عقد وفد الحكومة لمفاوضات السلام برئاسة الفريق اول ركن شمس الدين كباشي، جلس

ماذا قال مفرح حول مؤتمر أصدقاء السودان ؟

المرصد السوداني {googleads}اكد الاستاذ نصر الدين مفرح احمد وزير الشئون الدينية والاوقاف ان الآمال التي إنعق

إنخفاض كبير في سعر الدولار وحميدتي يثير القلق وسط التجار

المرصد السوداني {googleads}بعد ان تخطى حاجز الـ 150 جنية ووصل إلى 152 جنية في السوق الموازي .. الدولار يواص

أزمة أدوية حادة في السودان فـي زمن فيروس كورونا المستجد

المرصد السوداني {googleads} يعاني السودانيون من أزمة أدوية حادة في بلد يواجه أصلا أزمة اقتصادية حادة، وفي

أمريكا في تقرير سنوي :السودان بشكله الجديد لا يدعم الإرهاب

المرصد السوداني {googleads} أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرها السنوي عن الإرهاب للعام 2019م. وقد جاء

السودان: احجام تركيا وقطر عن دعم الخرطوم في مؤتمر المانحين يثير التساؤلات

المرصد السوداني {googleads}رفضت كل من تركيا وقطر بما أطلق عليه سياسيون سودانيون “معسكر الإخوان”

السودان يخرج من مؤتمر الشراكة بتعهُّدات مالية دولية فاقت 4 مليارات دولار

المرصد السوداني{googleads}   خرج السودان من «مؤتمر الشراكة» الذي نظمته برلين، بتعهُّدات م

ارتفاع حصيلة الاصابات بفيروس كورونا في السودان إلى 8889 حالة

المرصد السوداني {googleads}أعلنت وزارة الصحة السودانية، تسجيل 93 حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجد، و7

شلل في السوق السوداء .. تباين سعر الدولار وبقية اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الاربعاء 2

المرصد السوداني {googleads}تباينت أسعار العملات الاجنبية في افتتاح التعاملات الصباحية اليوم الأربعاء في الس

هل أصبح قوش رجل الغرب لتفتيت السودان ؟

المرصد السوداني {googleads}تقرير : محمد اسماعيلتتردد في الاونة الأخيرة الأحاديث عن صلاح قوش وانه ينوي العود

بالفيديو : حميدتي يكشف المستور عن تجارة العملة والذهب في السودان و يكشف عن دعم مالي قادم للبنك المرك

المرصد السوداني {googleads}أكد رئيس اللجنة الاقتصادية الفريق محمد حمدان دقلو النائب الاول لرئيس مجلس السياد