د.مزمل ابو القاسم يكتب : واكبوا وتطوروا

المرصد السوداني



*شغب الملاعب الرياضية في السودان ليس جديداً، فقد نقلت لنا دفاتر التاريخ أن أول مباراة للقمة الكروية بين المريخ والهلال جرت في ملعب سوق القش بالعاصمة الوطنية أم درمان عام 1932، ولم تكتمل بسبب اقتحام الجماهير للملعب، عقب تقدم المريخ على خصمه بهدفين، سجلهما الزين الشفيع رحمة الله عليه.
*قدحت تلك المباراة شرارة التنافس بين العملاقين، حتى أصبحت مبارياتهما بمثابة العيد لمحبي الكرة السودانية، وظل السيدان يتناوبان الفوز فيها، ويحزن أحدهما اليوم ليفرح غداً، وتنتهي بعض النزالات بالتعادل، لتنام العاصمة هادئة، بلا ضجيج.
*تغيرت أجواء (الديربي) بمرور السنوات، وتطورت أساليب التشجيع، وشهدت البنيات الأساسية التي تحتضن (الكلاسيكو) السوداني طفرةً ملموسةً، ودخلت على قوانين اللعبة نفسها تعديلات عديدة، منعت (تقريش) الكرات للحراس، وغيرت ضوابط التسلل، ومقاييس الكرة، وعدد البدلاء، واقتحمت التقنية ساحة كرة القدم العالمية، باستخدام حكام مساعدين إضافيين، يراقبون الملعب عبر كاميرات رقمية، أنابت عن الحكم في تدقيق الأخطاء ومراجعتها بما يسمى تقنية الفار (VAR).
*تغير كل شيء يتعلق بكرة القدم محلياً وعالمياً، وتحولت اللعبة إلى نشاط اقتصادي ضخم، تدار فيه مئات المليارات من الدولارات، ومع ذلك بقيت الطريقة المتخلفة التي تحفظ بها الشرطة الأمن في إستادات السودان على حالها، بلا تغيير ولا تطوير، منذ خمسينيات القرن المنصرم.
*لم تشهد أي تحديث، يواكب نصوص لائحة السلامة التي أصدرها الاتحاد الدولي لكرة القدم، ونص فيها على تدابير صارمة، تستهدف توفير الأمن، وحماية اللاعبين والحكام والإداريين وحتى المشجعين، وتمكينهم من ممارسة اللعبة والاستمتاع بفنياتها في أجواء آمنة.
*في عقدي الخمسينيات والستينيات كانت الشرطة ترص أفرادها (المرتدين للأردية) أمام سياج غليظ، يفصلهم عن المشجعين، ويمنح المشاغبين حصانةً من الملاحقة، ويجعلهم يحسون بأنهم بعيدون عن أيادي رجال الشرطة، وبمعزل عن قبضتهم.. وفِي خواتيم العقد الثاني من الألفية الجديدة الأمر ما اختلف!
*في عقدي الستينيات والسبعينيات كانت مواجهة الشغب تستلزم إطلاق الغاز المسيل للدموع واستخدام الهراوات لتفريق المحتجين، وفِي 2019 ما زالت الشرطة تساوي بين المشاغب والمسالم، وتتبع نهج العقاب الجماعي، لتأخذ البريء بجريرة المذنب، بإطلاق البمبان كيفما اتفق، ليهدد حياة الأطفال وكبار السن، ممن يقودهم حظهم العاثر لدخول الإستاد.
*لا يوجد أدنى اجتهاد من الشرطة لتطوير أساليب حفظ الأمن داخل الملاعب الرياضية، علماً أن الاتحاد الدولي لكرة القدم يمنع المظاهر المسلحة في ملاعب الكرة، ويلزم حفظة الأمن بارتداء الزي الرياضي، وينص في لائحة السلامة على ضرورة تنظيف الإستادات من المتعلقات الصعبة، وإخضاع المشجعين إلى تفتيشٍ دقيقٍ، للتأكد من أنهم لا يحملون ما يمكن أن يستخدم في إيذاء الآخرين.
*اللوم في العجز عن المواكبة موصولٌ لاتحاد الكرة، جنباً إلى جنب مع الشرطة، لأنهما يسمحان حتى اللحظة ببيع قوارير المياه الغازية والمعدنية داخل الإستادات، لتستخدم كسلاحٍ عند الحاجة، يتم قذفه إلى الملعب لإيذاء الحكام والخصوم، مثلما يتم بيع الشاي والقهوة في أكواب زجاجية، تتحول إلى مقذوفات بالغة الخطورة على الآخرين أحياناً.
*إطلاق الغاز المسيل للدموع داخل الإستادات لا يهدد حياة بعض المتفرجين فحسب، بل يمتد أثره إلى مرضى وعجزة، يقطنون بجوار إستاداتٍ سكنية مزدحمة بالسكان، مثل المقرن وإشلاق الشرطة بالنسبة لإستاد الخرطوم، وأحياء العرضة والمسالمة وحي العرب والبوستة وامتداد بيت المال بالنسبة لملعبي المريخ والهلال.
*مطلوب من الشرطة أن تحسِّن أسلوبها، وتطوِّر نهجها المتبع في تأمين الملاعب الرياضية، وأن تتحرك من نهج الخمسينيات والستينيات إلى آفاق الألفية الجديدة، وتكف عن تهديد حياة المشجعين والقاطنين بجوار الإستادات بالإطلاق العشوائي للبمبان.
*للتدليل على فشل النهج المتبع من قِبل الشرطة لحفظ الأمن في الإستادات نذكر أن عدداً مقدراً من رجال الشرطة أنفسهم تعرضوا إلى إصابات بالغة بالحجارة أثناء أدائهم لواجبهم في إستاد الخرطوم مساء أمس الأول.
*من يعجز عن حماية نفسه من الشغب يصبح عن توفير الحماية لغيره أعجز!
*واكبوا وطوروا وتطوروا.. يرحمكم الله.

 

اليوم التالي

مواضيع ربما تعجبك

عثمان ميرغني يكتب : وما ذنب شعب السودان؟

  المرصد السوداني   {googleads}حسب تقرير نشرته مجلة “وول ستريت” أن الدكتور عبد الله

الجيش : الحديث عن وجود الأحزاب في المؤسسة العسكرية يخلق الفتن

  المرصد السوداني {googleads}نفى المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة العميد ركن عامر محمد الحسن صحة ما

السبت المقبل : حكم نهائي بمواجهة البشير تزامنا مع دعوات انصاره بالتظاهر وقوى التغيير تعلق على تلك ال

  المرصد السوداني {googleads}ينتظر أن تصدر محكمة سودانية حكماً نهائياً بمواجهة البشير الموقوف بسجن كو

يوسف السندي يكتب السودان ليس ندا لأمريكا

المرصد السوداني {googleads}حتى نكون واقعيين الدعوات التي تدعو إلى علاقة ( ندية ) بين السودان و أمريكا هي دع

حركة مناوي : تجاوز الثورية في ترشيحات الولاة يعرقل عملية السلام

  المرصد السوداني{googleads} جددت الجبهة الثورية رفضها القاطع لتعيين الولاة والمجلس التشريعي قبل التو

عثمان ميرغني يكتب : غضبك جميل زي بسمتك!

  المرصد السوداني {googleads}احتج بعض القراء الأعزاء على عمود (حديث المدينة) ليوم الأحد الماضي، وبالت

الفاتح جبرا يكتب : النجار في الخشبة !

  المرصد السوداني {googleads}قال الشاعر يمجد العهد المايوي (وريتنا جديد ما كان على بال) وإذ كان الشاع

د.مزمل ابوالقاسم يكتب : ثغر السودان العابس

  المرصد السوداني {googleads}* تعالت الأصوات، وتعددت الصرخات لتتساءل عن سبب الإهمال القبيح الذي يتعرض

شاهد بالصور : جدل واسع في السودان عقب العثور على أموال مفرومة

  المرصد السوداني {googleads}تداول مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في السودان، صورًا ومقاطع فيديو تظه

لينا يعقوب تكتب : قَتَلة محجوب!

  المرصد السوداني {googleads}من أجمل الأخبار التي قرأتها منذ أبريل الماضي، ما أتى به مُحرِّر “ا

عثمان ميرغني يكتب : د. حمدوك.. أرجوك أعلن هذا القرار

المرصد السوداني {googleads} ليت الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء – وبكل قوة وجرأة- يعلن القرار ال

الفاتح جبرا يكتب ذرة من الحياء !

  المرصد السوداني {googleads}الوالدة رحمها الله برحمته الواسعة كانت ذات طرائف وحكاوي ولها تعليقات في

الطاهر ساتي يكتب : بذرة التنافر ..!!

  المرصد السوداني {googleads}:: ومن الأخبار غير المطمئنة أن يتقدم الدكتور أسامة أحمد عبد الرحيم، مدير

الطاهر ساتي يكتب : إليكم … الطاهر ساتي

  المرصد السوداني   {googleads}:: لو استخدم المجلس العسكري سُلطة الشرعية الثورية، فان حل المسمى

عاجل : إجتماع مجلسي السيادة والوزراء يقر حل حزب المؤتمر الوطني وتفكيك نظام البشير والغاء النظام العا

المرصد السوداني   {googleads}قالت مصادر متطابقة ان الاجتماع الطارئ بين المجلس السيادي والوزراء مساء ا

الطاهر ساتي يكتب مع القراي (2-2)

المرصد السوداني {googleads}:: وصلاً لما سبق.. لقد تحدث الدكتور عمر القراي، مدير المركز القومي للمناهج والبح

زهير السراج يكتب إلغاء المادة (152 ) !

المرصد السوداني {googleads}زهير السراجإلغاء المادة (152 ) ! تحدثت كثيراً عن الخطأ الشائع بين الناس في تحمي

الفاتح جبرا يكتب أقوالهم

المرصد السوداني {googleads} ساخر سبيل – الفاتح جبرامن أقوالهم ليس هنالك حكومة في العالم (تشتم شعبها